ناجى العلى لم أعرف ناجى العلى إلا متاخراً ، ففى طفولتى الاولى لم يصل الى أذنى اسمه ، او تترقرق امامى كلمات عنه ، وعند مراهقتى تحدثت مع رفاق الصبا فى كل شىء ، ولم أكن ادرى عنه اى شىء ، مع دخولى الجامعة رأيت حنظلة مرفوعا فى احدى مظاهرات الطلبة . طفل لا ترى وجهه . خطوط رسمه بسيطة جداً ، لكنها تحاصر القلب بغلالات الحزن ، شعرت اننى اسير فى المظاهرة وراءه ، وليس وراء أحد آخر .. انتهت المظاهرة وتفرق الجميع وبقى معى حنظلة وابى ان يغادرنى حتى الآن ... سألت عنه اجابونى بكلمتين : ناجى العلى .. صعد الاسم الى روحى كنسمات الفجر الاولى ، وتدفق اصوات العصافير مع ميلاد الصباح . ولاننى عرفته متاخراً ، فعرفته دفعة واحدة .. وشاءت أقدارى ان يبزغ ناجى داخلى من خلال شريط سينما لمخرجنا الراحل عاطف الطيب ، فبعد أن سمعت عن ناجى العلى بأيام قليلة ، تم عرض فيلم ناجى العلى ، بل وفاز بجائزة مهرجان القاهرة وقتها ، وحدثت الازمة ، وقاد رئيس تحرير جريدة مصرية كبرى حملة ضد الفيلم وضد صناعه ، واتهمهم فى شرفهم الوطنى ، باعتبار أن ناجى العلى أحد من تطاولوا على مصر ، فحاول صناع الفيلم الدفاع عن شرف وطنيتهم المهدرة ، وايضاً عن ناجى العلى ، فحملوا الفيلم من مكان الى مكان عارضين وجهة نظرهم فى الدفاع عن الفيلم وعن الشخصية ، وفى كل الاماكن التى عرضوا فيها الفيلم كنت احد مشاهديه ، وقتها لم اسمع دفاعهم ، ولم اهتم بتلك الحملة المسعورة ضد الفيلم وضد ناجى العلى ، فقط كنت مأخوزاً بتلك الخطوط التى تمزج بين الابيض والاسود ، وتخرج رسومات لها قوة الحياة ، ودفقة الشعر عندما ينساب على الورق الابيض ، فى لحظات خارج الزمن ، وتحول ناجى العلى الى شيخى ، وتحولت دون ان ادرى الى أحد مريديه ... حاولت أن اكتب كلمات توازى حزن رسوماته الشفيف فلم أستطع .. حاولت أن اخط اشعاراً تكون فى الصفحة المقابلة لحنظلة ، فلم استطع .. حاولت أن ألملم الغصب والحزن والتمرد وجسارة روح ناجى العلى ، فلم استطع .. مع الوقت عرفت أننى لم اهجر وطنى صغيراً الى المخيمات ، ولم تغادر العصافير قلبى دون ان تعود ، ولم يتعرض جسدى وروحى الى مرارة فقد الوطن ، ولم يسرق أحد احلامى فى وضح النهار ويلقيها دون مبالاة ، ويهيل عليها تراب الصمت البغيض ، ولم اتعرض لحبس النفس الطليقة فى سجون حكومات الأعداء والأصدقاء ، ولم أشعر يوماً باستلاب الروح من مكمنها الأثير ، ولم تترقرق فى عيونى دموع الفقد للراحلين من الاهل والصحبة وابناء نفس المصير ، ولم ..... ، ولم ..... ، ولم .... فأدركت أننى مجرد مريد لرسومات خرجت من وهج الذكريات الأولى لفقد الوطن ، ومن نسمات الاحلام الرهيفة بالعودة اليه ، ومن الغضب على كل من تاجروا با لارض مقابل بريق المقاعد وحفنة الاموال ... وادركت أننى مجرد مريد لثائر أبيض لا يرضى بغير اللون الأبيض ، ولا يقبل ان تلوثه مسحة سواد ، يدق باصابعه نتوءً بارذاً فى القلب وشمساً لا تغيب ... لم أستغرب يوماً بأن خطوطه مجرد لونين ، فاللونان خطان متوازيان يسيران جنبا الى جنب : الأبيض هو حضور الوطن البعيد الى الروح والى الحياة ، والأسود هو غياب ارض الطفولة الاولى فى الجب ، تنتظر من يمد لها حبل الخروج الى الميلاد الجديد .. ولم استغرب أن يكون حنظلة ، الذى يبدو دائما من الخلف ، وكأنه بلا ملامح هو قنطرة عبور ناجى العلى من شمس طفولته الاولى ، الى غروب وطنه الأسيف .
أضف تعليقا
أحيك ايها العربي الأصيل
احيك بعدد وأطوال الخطوط التي خطها ناجي العلي .
أحيك لعروبتك لأصالتك , لثقافتك , لوطنيتك .
حنظلة لم يرحل ولن يرحل , حنظلة باق مادام هناك اناس مثلك يذكرونه ويكتبون عنه.
حنظلة عاش من طفولته الى مماته مجاهدا لأجل قضيته وعروبته,ومقدساته.
استشهد حنظلة لأنه لم يقبل المساومة او المزايدة ,ولأنه لم يكن تابعا لأجندة ما او ناعقا في بوق الخيانة .
رحم الله ناجي العلي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته , واننا نعاهدة انه باقِ في اذهاننا وعقولنا وسوف ننقل حنظلة الى أطفالنا.
كن بخير وعافية دائما ..
نعيم
من مصر

أخي وصديقي العزيز أسامة
من خلال متابعتي لمقالاتك أجد نفسي المتعبة عندك ليتأجج بداخلها الشعور بالحنين الأصالة أنت تنبش في داخلي فتجعلني أجثو داخل نفسي أجتر ما تبقى لي من أمل
أشكرك على هذا المقال العملاق كصاحبه
بالمناسبة ابني محمد اليوم فقط وبعد رؤيته لفيلم ناجي العلي دون مدونة باسم ( وجه حنظلة ) وتحدث معي عنه وكأنني لاأصطحبه كل هذه السنين فسمعت حديثه كأنني أرى قسمات وجه ناجي العلي
في حديثه لأول مرة ثم أخذتنى أنت إلى ناجي العلي في مكان بعيد أثار بداخلي كل جرح السنين والهزائم المتكررة التي عشتها بعد انتصار أكتوبر 1973 مرارة الهزائم
من مصر

أعلنت الحرب ( مرآة نبيلة غنيم تتحطم على باب مدونتي وجو يتخبط في ثالوثه وأحمد سليمان ومحمد سعيد يغرقان فيها ودنيا ماهر تهرب صارخة )
تعال بسرعة قبل أن يهرب منك المشهد
من قطر

استاذ اسامة
حيطاني تكاد تكون مغطاة بناجي العلي اي بحنظلة يرفع العلم عاليا و يدعو للسماء بعض الحرية
تلك السخرية الخزينة الرائعة التي احبها منذ صغري لم اعرفها ابدا كما عرفتها انت .. شكرا لانك اطلعتنا على معني ناجي العلي في نفسك
دمت بحرية
وطن
من المغرب

مشكور على المقال هدا رائع منك و أتمنى لك مسيرة موفقة ياأخ أسامى ..وفقك الله
من مصر

ابحث منذ فترة طويلة ، عن اى رلبطة او مجموعة تحمل فى طياتها احترام وتقدير ذلك الفنان الاستسنائى ، وقد حققت لى عزيزى تلك الامنية
محبتى
اسامة
من مصر

الصديق الرائع / نعيم
اتضح ان ( حنظلة ) ناجى العلى لم يمت مع مبعه ، وسيظل حيا ، حتى تحقق النبوءة ، وتنكشف الاحلام
محبتى
اسامة
من مصر

الاستاذ والصديق الاكثر من رائع / جعلتنى اعود لاحدى عبارات صلاح عيسى عندما قال ( نحن الحناظلة العرب ) ، فكل من له حلم ، ومن له انتماء ، ومن له وجهة نظر ... فى وطننا هو من الحناظلة العرب
محبتى
اسامة
من مصر

الاستاذ والصيق / خالد الصاوى .. ذهبت لاهثا الى مدونتك لاكون قريبا من ذلك المشهد المثمر
من مصر

الصديقة الجميلة
جدراننا جميعا مغطاة برسومات ناجى العلى ، حتى الخالى منها ... لان رسوماته هى الحلم والحرية والعدل والحق فى الحياة .. وهى احلامنا جميعا
من مصر

الصديق الجميل ، انا الذى اتقدم لك بالشكر لانك .. مررت على مدونتى ، وتركت لى كلمات رقيقة ، أتمنى ان أستحقها
من سوريا

الصديق الجميل أسامة :
أشكرك على هذا البوح الجميل وأختيارك هذه المرة للشهيد ناجي العلي الذي اغتيل لأنه كان يرسم أحلامنا وآلامنا . وكان يرفض أتفاقيات الإستسلام التي كانت توقع هنا وهناك .
سقط شهيدآ برصاص الغدر وصارع الموت أيامآ .. لكنه رحل .وترك لنا حنظلة ليسكن فينا ونسكن فيه .
فكلنا بالنتيجة حنظلة بشكل ما ...
نعم صديقي هذا هو ناجي أو كما يقول محمود درويش ( ناجي خبزنا اليومي )
ومازالت رسوماته اللاذعة لأنظمة القمع والاستسلام حاضرة طازجة وكأنها رسمت الآن .
شكرآ صديقي على هذا المقال .وهناك قصائد جديدة كتبتهاأحتاج الى رأيك فيها .
دمت بخير .
محمد سعيد
من قطر

اسامة
تفضل بزيارة مدونتي النتواضعة ... رايك يهمني
تحيتي
من سوريا

الصديق أسامة
وانت تعرض لحديثك عن ناجي العلي تذكرت المرة الاولى التي تعرفت فيها عليه
تذكرت سؤال لماذا حنظلة ؟
تذكرت ذلك المشهد من الفلم للمخرج عاطف الطيب حيث تبوّل ناجي ((نور الشريف )) شجرة أراد لها صاحبها أن تعيش خارج أراضي فلسطين .
حقيقة تأثرت بمقالك.
وأثرت مشاعر جميلة في قلبي
وحنين لحنظلة ناجي الصغير
دمت بخير
من مصر

الصديق الجميل / محمد سعيد
( ناجى خبزنا اليومى) ... هل تعلم ان هذه العبارة ، اعتملت داخلى اياما عندمت قرأتها فى احد مقالات الشاعر محمود درويش ، وأدركت كم كان ناجى العلى يمثل للقضية الفلسطنية ، بل ولقضية الانسان فى كل بقاع الارض
من مصر

الجميلة روما
قمت بزيارة مدونتك ، ولم يزل تأثير الزيارة عالقا بخياى وعقلى ... صديقتى العزيزة
كم انت رائعة
اسامة
من مصر

الرائع / احمد سليمان
المشهد الذى تحدثت عنه اذكره جيدا، لقد حضرت الفلم كثيرا ، وفى اكثر من مكان ..
لكن دائما عندما يعرض هذا المشهد ، تجد الجميع بدون اتفاق يصفقون ، وكانهم يوجهون رسالة لكل المتخازلون فى حق اوطانهم
اسامة
من مصر

الجميل / ميدو
انا جبت سيرة اضراب فى المقال ، بصراحة مش عارف يمكن .... يا ريت بس تستحضر سيرة ناجى العلى فى ايمانه بوطنه والتعبير عنه ، بما يمتلك ( الرسم )
اسامة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















من المغرب
وبعد التحية
انضم الى مجموعتنا مجموعة ناجي العالي
najialali@yahoogroup.com
مع تحياتي